مُقاولات تولد لتُغلق.. 11.596 شركة حُلّت في عام واحد وأرقام رسمية تحرج السكوري في المعطيات التي يُصرح بها
في ظرف اقتصادي كان يفترض أن يشكّل امتدادا لخطاب "دعم المبادرة الخاصة" و"تشجيع المقاولة" الذي لطالما رفعته الحكومة، تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن المرصد المغربي للمقاولات الصغرى جدا والصغرى والمتوسطة عن واقع مغاير تماما عنوانه الأساسي تدهور السياسات العمومية في ضمان بقاء المقاولة لا في مجرد إحداثها.
وتُفيد الأرقام الرسمية، أن أكثر من 11.500 مقاولة تم حلها خلال سنة واحدة فقط، أغلبها لم يتجاوز خمس سنوات من العمر وهو ما لا يمكن قراءته إلا باعتباره مؤشرا صارخا على إخفاق حكومي، يتحمل فيه وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات يونس السكوري، قسطا وازنا من المسؤولية السياسية والمؤسساتية.
التقرير السنوي للمرصد، كشف أن عدد المقاولات ذات الشخصية المعنوية التي دخلت طور الحل بلغ 11 ألفا و596 مقاولة خلال سنة 2024، مسجّلا ارتفاعا سنويا بنسبة 6.3 في المائة مقارنة بسنة 2023، وبنسبة صادمة وصلت إلى 57.3 في المائة مقارنة بسنة 2017 وهذا المنحى التصاعدي، لا يعكس ظرفية عابرة بل عجزا هيكليا واسعا عن مرافقة المقاولين خلال مرحلة التوطيد، أي المرحلة الحاسمة التي تفصل بين فكرة قابلة للحياة ومقاولة قادرة على الاستمرار.
و "حلّ المقاولة" لا يعني الإفلاس بالمعنى القضائي الضيق، بل هو مرحلة تسبق التصفية والتشطيب من السجل التجاري وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل، غير أن هذا لا يخفف من حدة المؤشر، بل يزيده خطورة، لأنه يكشف أن آلاف المقاولين يختارون الخروج المنظم من السوق بعد استنفاد قدرتهم على الصمود، في غياب بيئة داعمة حقيقية.
وبخصوص تضارب الأرقام المتداولة حول "إفلاس" المقاولات، فإن المرصد يعتمد في إحصاءاته على قواعد بيانات محينة ومتكاملة لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والمديرية العامة للضرائب، والمكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية وهو ما يمنح هذه الأرقام طابعا رسميا وموثوقا ويُسقط عنها أي طابع تقديري أو انطباعي.
الملفت في معطيات التقرير ليس فقط حجم المقاولات التي تم حلّها، بل "أعمارها"، فقد تركزت الحالات أساسا في فئة المقاولات التي يتراوح عمرها بين سنتين وخمس سنوات تليها الفئة ما بين ست وعشر سنوات وهذا المعطى ينسف الخطاب الحكومي الذي يروّج لسهولة إحداث المقاولة لأن الأزمة كما يظهر بوضوح ليست في التأسيس، بل في البقاء في اقتصاد لا يكافئ سوى الفاعلين الكبار، ويترك المقاولات الناشئة وحيدة أمام التمويل والجباية وتقلبات السوق هو اقتصاد يفرز وفيات مبكرة بشكل شبه ممنهج.
قطاعيا، سجلت التجارة وإصلاح السيارات والدراجات النارية النسبة الأكبر من المقاولات التي دخلت طور الحل بأكثر من 30.5 في المائة، تليها أنشطة البناء بنسبة 18.3 في المائة، ثم الخدمات بنسبة 15.4 في المائة، وهي قطاعات تشكّل العمود الفقري للتشغيل الحضري وتستقطب آلاف الشباب وحاملي المبادرات الفردية ما يعني أن النزيف لا يقتصر على أرقام محاسباتية، بل يمتد إلى النسيج الاجتماعي وسوق الشغل.
جهويا، احتضنت جهة الدار البيضاء سطات أكثر من 32 في المائة من المقاولات المتعثرة، تلتها جهات مراكش آسفي، والرباط سلا القنيطرة، وطنجة تطوان الحسيمة وهذا التوزيع يعكس تمركز النشاط الاقتصادي، لكنه يكشف في الوقت ذاته أن الجهات الأكثر دينامية هي أيضا الأكثر هشاشة حين يتعلق الأمر بالمقاولات الصغرى بسبب شدة المنافسة وارتفاع الكلفة والضغط الجبائي والعقاري.
ويرسم التقرير السنوي صورة مزدوجة للاقتصاد المغربي بين دينامية حقيقية في إحداث المقاولات مقابل هشاشة بنيوية عميقة في استدامتها ففي سنة 2024، بلغ عدد الشركات ذات الشخصية المعنوية 380.230 مقاولة، بارتفاع طفيف نسبته 1.3 في المائة مقارنة بالسنة السابقة.
غير أن هذا الرقم يخفي حقيقة أساسية، وهي أن 94 في المائة من هذه المقاولات تحقق رقم معاملات يقل عن 10 ملايين درهم، بينما لا تمثل المقاولات الصغرى والمتوسطة بالمعنى الدقيق سوى 5.5 في المائة من المجموع أما الشركات الكبرى، فرغم محدودية عددها، فهي التي تستحوذ على القيمة، وتوجه السوق، وتستفيد من الامتيازات غير المعلنة.
ويؤكد التقرير أن محور طنجة الجديدة يستقطب ما يقارب ثلثي عدد المقاولات، في استمرار لتمركز جغرافي مزمن، فيما يظل قطاعا التجارة والبناء في الصدارة من حيث العدد مقابل ضعف نسبي للصناعة التحويلية رغم دورها المحوري في خلق القيمة المضافة والصادرات.
وخلال سنة 2024، جرى إحداث نحو 96 ألف مقاولة، من بينها 68 ألف مقاولة ذات شخصية معنوية بارتفاع بلغ 5.5 في المائة غير أن هذه الدينامية اعتمدت شبه كليا على هياكل صغيرة جدا وضعيفة الرسملة، ما يجعلها عرضة للسقوط السريع وفي المقابل، ارتفعت حالات الحل بنسبة 6.3 في المائة لتشمل أكثر من 11.500 مقاولة أكثر من نصفها لم يبلغ خمس سنوات وهو ما يشكّل حسب التقرير، جرس إنذار حقيقي بشأن فشل مرحلة التوطيد.
على مستوى رقم المعاملات، بلغ المجموع 2.628 مليار درهم، مسجّلا نموا بنسبة 9.4 في المائة لكن هذا التحسن، كما يوضح التقرير يعود أساسا إلى الشركات الكبرى التي تستحوذ على نحو ثلثي الرقم أما القيمة المضافة، فقد نمت بنسبة أقوى بلغت 16.6 في المائة، مدفوعة بالصناعة التحويلية والتجارة والبناء مع تسجيل أداء لافت لبعض الفروع الصناعية في إشارة إلى تحسن تدريجي في جودة الجهاز الإنتاجي، لكنه تحسن لا ينعكس بشكل عادل على جميع الفاعلين.
وبعد تباطؤ سنة 2023، عادت صادرات المقاولات الصغرى جدا والصغرى والمتوسطة إلى الارتفاع بنسبة 12.7 في المائة لتبلغ 520.5 مليارات درهم، استحوذت الصناعة التحويلية على أكثر من نصفها. غير أن هذه الدينامية، حسب التقرير، تظل شديدة التمركز، ولا تصل بعد بالقدر الكافي إلى المقاولات الناشئة.
في ما يتعلق بالتشغيل، ارتفع عدد مناصب الشغل المصرح بها بنسبة 2 في المائة ليبلغ 4.07 ملايين منصب، لكنها تركزت أساسا داخل المقاولات الناضجة فيما ظلت المقاولات الصغرى جدا مؤثرة من حيث العدد لا من حيث الجودة ورغم ارتفاع الكتلة الأجرية بنسبة 8.6 في المائة، فإن أكثر من 70 في المائة من الأجراء لا يزالون يتقاضون أقل من 4000 درهم، مع تمثيلية أعلى للنساء ضمن فئة الأجور المنخفضة.
ويمثل المقاولون الذين تسيرهم نساء 15.5 في المائة من مجموع المقاولات مع تركز واضح في القطاعات ذات الطابع الاجتماعي لكن هذه المقاولات لم تستفد سوى من أزيد بقليل من 10 في المائة من القروض البنكية في استمرار لصعوبات الولوج إلى التمويل وبصفة عامة، يؤكد التقرير أن المقاولات الناشئة والمقاولات الصغرى جدا تواجه عراقيل أكبر في الحصول على القروض مقارنة بالمقاولات الناضجة وذلك رغم الوعود الحكومية والحديث عن الميثاق الجديد للمقاولات الصغرى جدا كرافعة لتصحيح الاختلالات.
ولا تترك هذه المعطيات الرسمية مجالا كبيرا للمناورة السياسية فحين تُحلّ آلاف المقاولات سنويا، أغلبها في سنواتها الأولى وحين تظل القيمة والتمويل محتكرين من قبل فئة محدودة فإن الحديث عن "سياسة إدماج اقتصادي ناجحة" يصبح بلا سند واقعي وبالتالي فإن أزمة المقاولات الصغرى والمتوسطة في المغرب هي أزمة سياسات عمومية وأزمة وزير وقطاع، لم ينجحا بعد في تحويل شعار "تشجيع المقاولة" إلى بيئة فعلية تضمن لها الحق في البقاء.
وفي هذا الإطار، يرى رشيد سادي الخبير الاقتصادي أن المشكل الحقيقي الذي يتكبده المغرب ليس في عدد المقاولات التي تُغلق بل في النموذج الاقتصادي والسياسات العمومية للحكومة الحالية التي تجعل الإغلاق مسارا شبه طبيعي للمقاولة الصغرى، موردا أن " ما يقع اليوم هو نتيجة منطقية لسياسة عمومية تخلط بين التشجيع الشكلي على إحداث المقاولات وغياب أي تصور فعلي لمواكبة مرحلة التوطيد"
وأشار الخبير في التصريح الذي خص به "الصحيفة" إلى أن وزارة الشغل والمقاولة في عهد يونس السكوري، اشتغلت على خطاب الإدماج أكثر مما اشتغلت على شروط البقاء، فتمّ تحميل المقاول الصغير عبء التمويل والجباية والهشاشة الاجتماعية، في حين جرى تحييد الدولة من دورها كفاعل ضامن للتوازن.
ويضيف الخبير، أنه حين تكون السياسات العمومية موجهة ضمنيا لفائدة المقاولات الكبرى سواء عبر الولوج التفضيلي للتمويل، أو عبر الطلب العمومي أو حتى عبر المرونة الجبائية غير المعلنة فإن المقاولة الناشئة تجد نفسها في موقع غير تنافسي منذ اليوم الأول وهنا لا يمكن الحديث عن فشل المقاول بل عن فشل الوزارة الوصية في بناء منظومة حماية انتقالية تسمح للمقاولة بأن تخطئ وتتعثر ثم تعود
وشدّد المتحدث على أن "الخطأ الاستراتيجي لوزير الشغل والمقاولة هو اعتقاده أن إحداث المقاولات بحد ذاته إنجاز سياسي فيما الإنجاز الحقيقي يقاس بعدد المقاولات التي تصمد وتخلق قيمة مستقرة وتوفر شغلا لائقا أما حين تتحول سنوات المقاولة الأولى إلى مرحلة استنزاف نفسي ومالي، فإن الدولة تكون قد دفعت بالمبادرة الفردية نحو الفشل بدل تحويلها إلى رافعة تنموية".
وأكد الخبير سادي على البعد البنيوي للأزمة حيث اعتبر ما تكشفه هذه المؤشرات هو غياب رؤية اقتصادية مندمجة، فيما هناك سياسات متفرقة تهم تمويل هنا، تحفيز هناك لكن دون انسجام زمني أو ترابي أو قطاعي والنتيجة أن المقاولة الصغرى تُترك وحيدة في سوق غير عادلة وهذا فشل حكومي في هندسة اقتصاد الفرص المتكافئة".




